عثمان بن جني ( ابن جني )
28
الخصائص
باب في تدافع الظاهر هذا نحو من اللغة له انقسام . فمن ذلك استحسانهم لتركيب ما تباعدت مخارجه من الحروف ؛ نحو الهمزة مع النون ، والحاء مع الباء ؛ نحو آن ونأى ، وحبّ وبحّ ، واستقباحهم لتركيب ما تقارب من الحروف ؛ وذلك نحو صس وسص ، وطث وثط . ثم إنا من بعد نراهم يؤثرون في الحرفين المتباعدين أن يقرّبوا أحدهما من صاحبه ويدنوه إليه ؛ وذلك نحو قولهم في سويق : صويق ، وفي مساليخ : مصاليخ ، وفي السوق : الصوق ، وفي اصتبر : اصطبر ، وفي ازتان : ازدان ، ونحو ذلك مما أدنى فيه الصوتان أحدهما من الآخر ، مع ما قدّمناه : من إيثارهم لتباعد الأصوات ؛ إذ كان الصوت مع نقيضه أظهر منه مع قرينه ولصيقه ؛ ولذلك كانت الكتابة بالسواد في السواد خفيّة ، وكذلك سائر الألوان . والجواب عن ذلك أنهم قد علموا أن ادّغام الحرف في الحرف أخفّ عليهم من إظهار الحرفين ؛ ألا ترى أن اللسان ينبو عنهما معا نبوة واحدة ، نحو قولك : شدّ وقطّع وسلّم ؛ ولذلك ما حقّقت الهمزتان إذا كانتا عينين ؛ نحو سآل ورءاس ، ولم تصحّا في الكلمة الواحدة غير عينين ؛ ألا ترى إلى قولهم : آمن وآدم ، وجاء ، وشاء ، ونحو ذلك . فلأجل هذا ما قال يونس في الإضافة إلى مثنّى : مثنّوىّ . فأجرى المدغم مجرى الحرف الواحد ، نحو نون مثنى إذا قلت : مثنوىّ ؛ قال الشاعر : * حلفت يمينا غير ذي مثنويّة " 1 " * ولأجل ذلك كان من قال : ( هم قالوا ) فاستخف بحذف الواو ، ولم يقل في
--> ( 1 ) صدر البيت من الطويل ، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص 41 ، وخزانة الأدب 3 / 323 ، 330 ، 6 / 289 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 51 ، والكتاب 2 / 322 ، واللمع في العربية ص 151 . وعجز البيت : * ولا علم إلا حسن ظنّ بصاحب *